محمد كرد علي

222

خطط الشام

ولا يعلم تاريخ اندراس هذه الصناعة ، والمشهور أنها كانت خاصة بأهل بيت يتوارثون صنعها خلفا عن سلف ، فدثروا ودثرت معهم منذ أكثر من قرنين . أخبرني أحد أساطين العلم أنه رأى القيشاني في جامع الدرويشية بدمشق مصبوبا على الأحجار طبقة لطيفة وهو في غاية الحسن . ويظهر أن المادة القيشانية كانت تمدّ على الحجر كما تصنع صفائح وألواحا . وقد قام في العهد الأخير في كثير من المدن أناس لعمل الخزف الملوّن لتبليط البيوت دعوه بالقيشاني وهو لا يشبه القيشاني إلا بالاسم فقط . وانتشر وعم استعماله في الشام كلها ونقل إلى الأصقاع المجاورة . الوراقة : فقدت الشام عدة صناعات كادت تكون خاصة بها ، وتعد في جملة موارد عيشها ، ومنها الوراقة صناعة عمل الورق . فقد كانت من الصناعات التي تعدها من حاجياتها . وكانت العرب تكتب أولا في أكتاف الإبل والحجارة الرقيقة البيض وعسيب النخل ، بعد ما كانت الكتابة في الأديم والرقوق على ما قاله المقريزي . وفي أيام بني أمية عمل الورق من الكتان وسمي بالخراساني . والغالب أن الشام أخذت في صنع الورق في دمشق وطبرية وطرابلس وحماة ومنبج قبل هذا التاريخ . وعامة المؤرخين من الفرنج على أن الورق من اختراع أهل ( الصين سنة 123 ق . م ) ونقل صنعه أسرى من الصين إلى سمرقند في سنة ( 751 ) وفي سنة ( 794 م ) أسس معمل للورق في بغداد ثم في دمشق ويظهر من بيت طرفة في معلقته أن القرطاس ينسب للشام والبيت : وخد كقرطاس الشآمي ومشفر * كسبت اليماني قده لم يجرد « 1 » وأن القرطاس كان يعمل في الشام على عهده أو قبله خلافا لما قاله مؤرخو الفرنج ، وأن الورق من صناعات الجاهلية . وكان يرتفع منه كميات من دمشق ومن طبرية على ما ذكر ذلك المقدسي . وقد تعلم صنع الورق في دمشق أسيران فرنسيان على عهد الحروب الصليبية فلما عادا إلى ديارهما نشرا صناعته في

--> ( 1 ) في جمهرة أشعار العرب أنه شبه خدها بالقرطاس وهو الورق من جهة الشام وشبه مشفرها بالجلد المدبوغ بدباغ القرظ للينه .